مقال رأي| ماكسيم لوبيز.. من إنكار الجذور إلى البحث عن مكان بين “الخضر”
مقال رأي| ماكسيم لوبيز.. من إنكار الجذور إلى البحث عن مكان بين “الخضر”
عندما يتحدث لاعب كرة قدم عن جذوره بعد سنوات من إنكارها، فإننا أمام حالة تستحق التأمل أكثر من إصدار الأحكام. ماكسيم لوبيز، قائد باريس إف سي، يقدم لنا اليوم نموذجاً معقداً عن العلاقة الملتبسة بين الهوية والطموح الرياضي، تلك العلاقة التي تثير تساؤلات أعمق من مجرد اتهامات بالانتهازية أو الدفاع عن حق اللاعب في الاختيار.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تغيّر بالضبط؟ هل اكتشف لوبيز فجأة أن والدته جزائرية بعد أن كانت هذه الحقيقة غائبة عنه طوال سبعة أعوام؟ أم أن ما تغيّر هو شيء آخر تماماً؟

في 2017، كان لوبيز نجماً صاعداً في مارسيليا، يحلم بقميص “الديكة“. الرفض حينها كان واضحاً ومباشراً. وقبل عامين فقط، كرر الموقف ذاته من فيورنتينا. لم تكن المسألة مجرد صمت أو تجاهل، بل كانت رفضاً علنياً مصحوباً بتصريح لا يحتمل التأويل: طموحاته مرتبطة بفرنسا لا غير.
اليوم، في السابعة والعشرين من عمره، وبعد أن أصبحت فرص استدعائه لمنتخب فرنسا تقترب من الصفر، يتحدث لوبيز عن “التنافسية” و”الرغبة في اللعب دولياً”. هذا التحول يطرح سؤالاً محورياً: هل الانتماء للمنتخب الوطني مسألة ظرفية مرتبطة بتوفر الفرص؟
لا يمكننا هنا إنكار حق أي لاعب في تغيير رأيه، فالإنسان كائن متطور والظروف تتبدل. لكن ما يُحيّر في حالة لوبيز ليس التغيير في حد ذاته، بل التبرير المقدم له. القول بأن “الظروف تغيرت” يبدو أقرب إلى الاعتراف بأن الخيار مبني على حسابات رياضية محضة، لا على ارتباط حقيقي بالهوية التي يُفترض أن تكون فوق الظروف.
ثمة مفارقة لافتة في تصريحاته، يتحدث عن كونه “شخصاً تنافسياً” كمبرر للعب للجزائر، وكأن المنتخب الجزائري هو خيار احتياطي لإشباع رغبته في المنافسة الدولية. هذا المنطق، وإن كان صادقاً في شفافيته، يضع الجزائر في موقع “البديل المتاح” لا “الخيار الأصيل”، وهو ما يفسر ردود الفعل المتباينة تجاه تصريحاته.
من جهة أخرى، يلفت لوبيز الانتباه إلى نقطة مهمة، وهي غياب التواصل الرسمي من الجزائر في السنوات الماضية. هنا نجد أنفسنا أمام مسؤولية مشتركة، فإذا كان اللاعب قد أظهر عدم اهتمام سابق، فإن الاتحاد الجزائري أيضاً لم يبذل جهداً لاستقطابه، مما يعكس ربما غياب استراتيجية واضحة في التعامل مع اللاعبين ذوي الأصول الجزائرية.
السؤال الأهم الذي يبقى معلقاً: هل يكفي أن يكون اللاعب جيداً تقنياً وأن تكون والدته جزائرية ليرتدي قميص “الخضر”؟ أم أن هناك بُعداً معنوياً وعاطفياً يجب أن يتوفر؟ الجزائريون، بتاريخهم النضالي وعلاقتهم الخاصة بالهوية الوطنية، ربما يبحثون عن أكثر من مجرد جواز سفر أو شهادة ميلاد أم.
في النهاية، قضية ماكسيم لوبيز ليست قضية شخصية بقدر ما هي انعكاس لإشكالية أوسع: كيف نوازن بين الواقعية الرياضية والبعد الرمزي للانتماء؟ وكيف نتعامل مع لاعبين يرون في المنتخب الوطني فرصة رياضية قبل أن يكون التزاماً هوياتياً؟
ربما لا نحتاج إلى مهاجمة لوبيز أو تبرير موقفه، بل إلى فهم أن خياراته تعكس منظوراً مختلفاً عن الانتماء، منظور قد لا نتفق معه، لكنه يستحق على الأقل أن نفهم دوافعه قبل أن نحكم على نواياه. السؤال الحقيقي يبقى: هل نريد لاعبين يختارون الجزائر عن قناعة، أم نقبل بمن يختارها عندما تنضب خياراته الأخرى؟